الاثنين، 17 يونيو، 2013

أنا والتدوين والحوليات


ربما سأبدأ من النهاية، بالنظر إلى أني لم أحدد البداية سابقًا، ولن أفعل...
لا عليَّ!

الحوليات! الكتابة كلَّ يوم. الإنسان الطبيعي يكتب كلَّ يوم، الكتابة كلَّ يوم ليست اختراعًا جديدًا. أصدقائي المهووسون بكتابة القصص أمثال ميرا شعبان، إبراهيم عادل، مصطفى سيف، شيرين سامي أيضًا، وآخرون، قد يتوقفون عن استخدام الأقلام ولوحات المفاتيح لمدد قد تطول أو تقصر، لكن واحدًا منهم لا يتوقف عن الكتابة، كل شيء يحدث حولهم وفي داخلهم قصة، هم قصص.

في وظيفتي الجديدة -تلك التي تدر المال أعني، وإن كانت لم تفعل بعد- أتعامل مع الكثير من الكتب، كتب لم أكن لأتخيل أنها موجودة. دائمًا هناك كتب غير متخيَّلة... كم نحن محدودون! أحد أصحاب الكتب -مثلًا- كان يفكِّر معظم الوقت في المرأة؛ على المرأة أن تلبس أو ألَّا تلبس، عليها أن تقلل من الأصباغ وألَّا تعرِّض زوجها لخطر الإفلاس، وفي المنتديات والملتقيات حيث ساحات الرجال: ما الذي جاء بها إلى هنا؟ أو "إيه اللي وداها هناك"... المهم أن الرجل الفاضل المثقف العلامة، ذا الأفكار والأسفار والأشغال والأشعار، شرد ذات مرة، وأثناء شروده تهيأ له أن يكتب كتابًا يسميه "الشوارد"، وهكذا وكلما وافته شاردة في ليل أو نهار دوَّنها، حتى اكتملت له 365 شاردة في 365 يومًا، يومًا يلي يومًا، رُبع الشوارد بدهيَّا -وبالضرورة- كان عن المرأة المنخدعة بسراب الحضارة الغربية الحديثة المستحدثة. لكن ما يهمنا هو أن الرجل ألزم نفسه فالتزم، وأنجز المهمة بشرود -أعني بنجاح- وكتب فيما كتب بعض الأشياء القيِّمة والتي لا تتعلق كلُّها بالمرأة والميزانية "المخرومة" بسبب الإنفاق على مساحيق التجميل التي لا تجمِّل صاحبتها المنخدعة بـ... إلى آخره، تعرفون!

المفترض عند هذه النقطة أن أحكي كيف ألهمني كتاب السيد الدكتور عبد الوهاب عزَّام فكرة التدوين اليومي، وكيف طوَّرتها لتخرج عن ذاتيتها لتعمَّم وتكون ضمن مشروع المئة تدوينة الأثير، وكيف خطر لي أن أسميها الحوليات، إلى آخر ما لن يضيف جديدًا ذكرُه. لكن، سأعود بالزمن ثلاث سنوات إلى الوراء، مايو 2010م؛ حملة التدوين اليومي التي دعت إليها داليا يونس. داليا كانت صاحبة السُّنَّة التي غيَّرت السُّنن المتعارف عليها. على الأقل بالنسبة لي، التدوين قبل مايو 2010 ليس كالتدوين بعد مايو 2010، وإن كان جمهور المدونات ومريدوها في تناقص مع الأسف؛ بالغ الأسف.

ما الذي حدث في مايو 2010؟ دوَّنت. ثلاثون تدوينة في 31 يومًا، اكتشفتُ أنا جديدة، وهُم جددًا. قبل تجدُّدي النسبي ذاك كنتُ متجمِّدة، وأخذ الجليد يذوب عني شيئًا فشيئًا، وإن لم أسِل تمامًا. في وقت سابق لحملة مايو، كنتُ قد اقتنيت مدونة سرية أكتب فيها يومياتي أو "شواردي" وشظاياي إن صحَّ التوصيف، كان اسمها "مفردة" فيما كانت مدونتي الرئيسية على اسمها القديم "يونيك UNIQUE". بعد مايو لم أنصرف عن إحدى المدونتين بل زاد إخلاصي لكليهما، وغزرت تدويناتي، ومرَّ عام أو أقل حتى غيَّرت اسم الثانية لتكون "مفردة" وأعدمت السرية مع إيقاف التنفيذ بعد أن سمَّيتها "أطواق التوق"، واستبدلت بها أخرى اسمها "أنا جديدة" كتبت في عنوانها الفرعي: "أنا أحبني وأحبهم.. أنا أحب الله"، فكانت عهدًا جديدًا من التصالح.

أنا الجديدة المتصالحة تغيرت بدورها، وكانت محطة المئة تدوينة في يونيو 2011 وما تلاه، نقطة تحوُّل دراميَّة جديدة، تكشَّفت لي كشوفات جديدة، وانفتحت على عوالم جديدة، إمكانات واحتمالات، مدونون ومدونات، ودواء. المئة تدوينة داوتني، أرتني أننا نستطيع، نرى بشكل أفضل إن استعرنا عيون الآخرين وأعرناهم عيوننا.

لماذا أشعر أنني بدأت أنحو بالحديث نحوًا مبتذلًا؟! ما أردتُ قوله هو أن شيئًا؛ أشياء حدثت، عملت بالصحافة مدة شهر وبضعة أيام في أواخر 2011 وأوائل 2012م، لكنني انسحبت سريعًا بعد تحقيقي الصحافي المنشور، والذي بالغ مدير التحرير في إظهار إعجابه به، أو أنه أعجبه حقًا، إلا إني لم أستسغ أن أكتب لأنه مطلوب مني أن أكتب فحسب، ولم أفتتن بقدرتي على إنجاز شيء لا أحبه، فيما بدا لي واضحًا أن هناك الكثير مما لم أزل أجهله، الكثير لأتعلمه. اللطيف هو أنني عدتُ للانخراط بذات المجال بعد أقل من شهر، واستمررت فيه سنة وبضعة شهور، لكنني كنت أعمل بتحرير الأخبار القصيرة والعاجلة، لا أكتب كثيرًا، غير أني وعيت الكثير مما لم أكن أرغب في استيعابه من تطبيقات التوحش متعددة المزايا والخيارات، "البعض يتسلون بافتراس البعض"، ذلك هو ملخص أحداث العالم في كل أربع وعشرين ساعة على هذا الكوكب، وأنا "قلبي الصغير لا يحتمل".

وأخيرًا وفي مايو 2013 انتقلت من أخبار الهمجية المعاصرة إلى طرائف ونوادر الهمجية الغابرة، فكل يوم بين الكتب يؤكد لي حقيقتين: نحن جاهلون، نحن ندور في الدوائر الخانقة نفسها. الأمر الجيِّد هو أننا مازلنا ندوِّن، وسنكتب كلَّ يوم حكاية كلِّ يوم.

*لسبب ما لم يساعدني سياق التدوينة عاليه في الإتيان على ذكر رسائل لبنى، سأذكرها في موضع آخر، ربما.